ابن قيم الجوزية
336
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
ولما كانت الأودية مجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل ، فيحتمله السيل ، فيطفو على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكما ، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض ، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى ذلك منه شيء ، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي اللّه تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفى ويطرح على شفير الوادي ، فكذلك العلم والإيمان ، الذي أنزله في القلوب ، فاحتملته ، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة . فيطفو في أعلاها . واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلوب . فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول كله . ويبقى العلم النافع ، والإيمان الخالص في هذا القلب ، يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 28 ] الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) الطمأنينة : سكون القلب إلى الشيء ، وعدم اضطرابه وقلقه . ومنه الأثر المعروف « الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة » أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع ، ويجد عنده سكونا إليه . والكذب يوجب اضطرابا وارتيابا . ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « البر ما اطمأن إليه القلب » أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه . وفي « ذكر اللّه » هاهنا قولان . أحدهما : أنه ذكر العبد ربّه ، فإنه يطمئن إليه قلبه ، ويسكن . فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر اللّه . ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه . فمنهم من قال : هذا في الحلف واليمين ، إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه ، واطمأنت . ويروى هذا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .